عبد الملك الجويني

83

نهاية المطلب في دراية المذهب

فللمرأة طلب المهرين على الكمال ، ولا حاجة بها إلى إثبات المسيس في النكاح الأول ، وإن كان المهر لا يتقرر إلا به ، ونفس النكاح الثاني يدل على ارتفاع النكاح الأول ، فكأن النكاح الأول ثبت وارتفع ، ولم يثبت فيه المسيس ، وطلب جميع المهر من غير مسيس على استمرار النكاح ممكن ، فأما إذا ارتفع النكاح ، فلا يمكنها طلب المهر على قياس استمرار النكاح ، والأصل عدم المسيس ، ولكن يعارض هذا أن المهر ثبت بالنكاح على الكمال ، فعلى من يدعي سقوط شطر منه أن يتعرض له ، ولكن يتطرق إلى هذا أن الزوج لو ادعى نفي الإصابة صُدِّق مع يمين ، ولم يطالَب بأمر آخر . فليتأمل الناظر هذا ، وليفهم لطفَ مأخذه ، فالأصل ثبوت المهر ، وهذا يستمر في سكوت من عليه المهر . فإن ادعى عدمَ المسيس صُدِّق مع يمينه ، وإن لم يدّع طولب بتمام المهر ، بناء على ثبوته . فإذاً على الزوج إثبات مقتضى التشطر بيمينه . وحجج الخصومات منقسمة ، وهذا كما أن المودَع مطالَب بالوديعة ، محبوس إذا سكت ، فإن ادعى تلفاً أو رداً ، صُدّق . ولو قال الزوج : كان النكاح الثاني تجديداً للإشهاد ( 1 ) ولم يكن عقداً جديداً ، فلا ينفعه هذا القول ، بل إذا قال ذلك ، استغنت المرأة عن إقامة البينة ، وكان ما صدر منه إقراراً بالعقدين : أما الأول فقد اعترف به ، وأما الثاني فقد اعترف بصورته ، وادعى فيه الإعادة ، وهذا يُشبه إذا ادعى رجل على رجل عيناً ، وقال المدعى عليه للمدعي : بعها مني ، فالاستباعة تتضمن إقراراً للمدعي بالملك ، وليس للمدعى عليه أن يقول : طلبت منه صورة البيع ولم أعترف بصحة بيعه ، فإنَّ طلبَ البيع محمول على البيع الصحيح ، وكذلك كل من اعترف بعقد ، فاعترافه المطلق محمول على الاعتراف بالعقد الصحيح .

--> ( 1 ) كذا . ولعلّها : للإشهار ( بالراء ) .